
كلنا يتم تصنيفنا، في هذا البلد، باسم العرب. "سوري"، "لبناني"، "جزائري" او "مغربي"،عند غير العرب كل ذلك ليس له وزن، انت "Arab". وينبغي ان لا تكون لهذه التقسميات ذلك الوزن عند العرب انفسهم، في حقيقة الامر.
حقيقة كون جميعنا "Arabs"، يجب ويلزم، لمن اراد ان يأمن نفسه واهله، ان يضعها في الحسبان ما دام يعيش في هذه الارض. غير ذلك، فالآخرون من غير العرب، في هذه البلد، مهرة اشد المهارة في تقسيم المقسم و تجزيء المجزأ، كالعرب.
من هم العرب في العقلية السائدة في هذا النظام؟. هم الارهابيون، وهم البربر، وهم من ذوي البشرة البنية. هم اصحاب البشرة البنية وان كان بعضهم ابيض من اللبن او الحليب او القشطة او اللبنة. هم الأتون من دول العالم الثالث.
لغة الضاد، وما اجملها من لغة، الغير وضعنا في خانتها دون طلب، فيجب علينا جميعا، ان نكون شاكرين لهذه الحقيقة. وهذا الشكر لا يكون الا باستغلالها لصالحنا. ما دام انك، ايها القارئ الكريم، تعيش في هذا البلد، قم بنسيان كونك من ذلك البلد العربي الى حين، وان اخوك في اللغة من غير البلد الذي انت منه، مختلف عنك. وهذا الحين لن يحين الا بعد ان يكون اصحاب هذه اللغة السادة على الارض التي يعيشون فيها. بعد ان يكون لاصحاب هذه اللغة الغلبة، دع عداوتك او استحقارك لاخيك العربي من ذلك البلد او تلك يستأنف مساره، وان كنت اشك في انه سيستأنف مساره. وشكي في ذلك قائم على كونك قمت بمحاولة وضع يدك في يد اخوك العربي، سواء للبناء او الدفاع، سيظهر لك مدى عداوة هذا "الغرب" مجرد كونك عربيا. هذه العداوة التي ستتجلى لك، ستظهر مدى تفاهة عداوتك او استحقارك لاخوك العربي من هذه البلد او تلك.
أنا من الذين يؤمنون بأن العنصرية طبيعة انسانية. وأن السؤال ليس ما اذا كان شخص ما عنصريا ام لا، بل السؤال هو: على اي اساس بنى هذا الشخص عنصريته؟
من حسن حظنا وسوء حظ الانسانية، ان الغالبية في هذا العالم "المتحضر" بنى عنصريته على اساس لون البشرة، او حتى اكون اكثر دقة، على اساس القدوم من منطقة جغرافية معينة، أوروبا. هذا الاساس الهش والمتدني الرتبة يجعلنا نعلق عنصرياتنا المختلفة، والمبنية على اسس اكثر تعقيدا، كالدين أو الفسلفة أو الصنعة/الحرفة/المهنة، الى اجل مسمى او غير مسمى. ما دام هذا النظام الذي نعيش تحت ظله قد تدنى الى هذا المستوى السافل، فليس لنا خيار الا ان "نتعنصر" على اساس هذه اللغة المشتركة، والتعنصر على اساس اللغة هو ادنى درجات التعنصر المحمود. بعد أن يتم لاصحاب هذه اللغة الغلبة، فلا بأس في ان ندع عنصرياتنا الاكثر تعقيدا تأخذ مسارها الطبيعي. سواء كانت تلك العنصرية مبنية على كوني مسلما وكونك مسيحيا، او كانت على اساس كون هذا رأس ماليا وذلك اشتراكيا، أو على اساس كون ذلك ملحدا وهذا ربوبيا.
من الامور التي تبعث على التعجب في نظام هذا البلد، وما اكثر الامور التي تبعث على التعجب، عدم وجود لغة رسمية واحدة. ما الذي يجعل اللغة الفرنسية لغة رسمية بحق المنطق؟. كون النظام جعل من هذه اللغة لغة رسمية يجب ان يبعث كل مهاجر، من اي لغة، على الاستفهام!. تذهب لشراء اي منتج لتجد اسمه وبياناته مكتوبة باللغتين الفرنسية والانجليزية. أمر ليس فيه الا ملئ لمساحات المنتج، واضعاف للنظر بسبب صغر خط الكتابة ، اضافة الى - وهو الامر الاكثر اهمية- فرض لغة جبرا لا اختبار.
مفهوم ان تكون المنتجات مكتوبة باللغة الفرنسية في مقاطعة كيوبيك على سبيل المثال، بسبب التاريخ الفرنسي في تلك المقاطعة. اما ان تفرض هذه اللغة على المقاطعات الاخرى فهو أمر ابعد من ان يكون مجرد فرض للغة واقرب لان يكون لفرض لعقلية اغتصابية سائدة بين اوساط ذوي السلطة والقرار.
من حسن حظنا، ان تفكرنا، ان الناس في الدول الغير عربية يسموننا بالعرب. يصنفوننا على اساس اللغة التي نتحدث بها. قد يسأل القارئ الكريم: ولم هو من حسن حظنا؟. دعني اشرح وجهة نظري بطرح سؤال: ما هو الفرق بين هؤلاء في هذه الجملة التالية : "احب الصينيين والايطاليين والهنود واليهود والاكراد في هذه المدينة". يمكن اختزال الصينيين والايطاليين والهنود والاكراد في هذه الجملة تحت تصنيف واحد، وهو تصنيف مبني على مناطق جغرافية. فالصينيون هم القادمون من المنطقة الجغرافية المسماة بالصين. و الايطاليون هم القادمون من المنطقة الجغرافية المسماة ايطاليا. والهنود هم القادمون من المنطقة الجغرافية المسماة بالهند. والاكراد كذلك، قادمون من منطقة جغرافية. أما اليهود في الجهة المقابلة، فهو تصنيف على اساس اكثر تعقيدا من مجرد منطقة جغرافية. وهذا الاساس الاكثر تعقيدا يعتبر من الفروق الجوهرية بين الحيوان والانسان. كما ان قائل هذه الجملة (احب الصينيين والايطاليين والهنود واليهود والاكراد في هذه المدينة)، وما اكثر القائلين لامثال هذه الجمل في هذا البلد، مختل المنطق معطوب النفس. فجمعه لحب قائم على اساس مناطق جغرافبة وحب قائم على دين و أبنية عقلية هو اقرب للجمع بين النقيضين ولله في خلقه شؤون.
التصنيف على اساس جغرافي يعتبر اقرب الى الحيوانية من كونه اقرب الى الانسانية. والانسان، كما هو معلوم، حيوان في ابسط درجاته. والحيوان، ليس له من الحيلة التي تمكنه من العيش خارج بيئته او جغرافيته. أما الدين وغيره من البناءات العقلية، مكنت الانسان من ان يتكيف مع مختلف البيئات الجغرافية حتى بلغ به الحال الى ان يصل الى القمر، ولعل القمر هو بداية الطريق في الكون العميق وما اطيب اكلة السليق. (فكاهة).
وعودا الى موضوع اللغة، فاللغة هي الوسط او الفاصلة او الرابط او الصمغ بين الحيوانية والبناءات العقلية التي يتميز بها الانسان عن غيره من الكائنات. وكما قال الشيخ (ارسطو) في تعريف الانسان: هو الحيوان الناطق. فأن يسمينا الغير هكذا، دون طلب، بالعرب(Arabs)، لهو امر من محاسن الصدف وجميل ترتيبات القدر.
كما ان هناك امر هام يجب ان لا نغفل عنه وهو: اللغة العربية التي نتحدث بها بشكل يومي ليست باللغة العربية الفصحى، كما هو معلوم. ولعل الذين سيحملون على عواتقهم اعادة اللغة العربية كلغة يومية دارجة ليس الناشئين في المناطق العربية، بل غيرهم من المسلمين الاعاجم. وعندي، العربي هو الناطق باللغة العربية.
وعلى ذكر اللغة العربية الفصحى، اجد في نفسي الرغبة في الاشارة الى مقابلة تلفزيونية حصلت على قناة الجزيرة ابان الحرب بين امريكا وايران. كانت المقابلة بين عدد من المحللين السياسيين "العرب" يشاركهم احد الدكاترة الايرانيين الذين يتحدثون باللغة العربية الفصحى. في تلك الفترة، حلق اسم ذلك الدكتور الايراني كشخص يفحم كل من يواجهه بقوة حجته. لم اتابع جميع حلقات ذلك البرنامج، لكن الانطباع الذي خرجت به والاستنتاج الذي توصلت اليه هو ان سبب عدم مقدرة خصومه من مواجهته لا يكمن في قوة حجته بل يكمن في ان خصومه، ولسخرية القدر، مبهوتون من حقيقة كون محدثهم الاعجمي يتكلم باللغة العربية الفصحى بطلاقة، وهم "العرب" اعمتهم لهجاتهم او لكناتهم المتختلفة عن صياغة منطقهم بلغة عربية فصيحة.
زبدة الكلام، غير العرب صنفونا على اساس لغتنا، فتعنصروا على اساسها الى ان نخرج من هذه المينتاليتي الحيوانية التي نعيش في خضمها. ولعل للحديث بقيات.
